الجمعة، 8 يونيو 2018

إما شكوى وإما (مواشي)


إما شكوى وإما (مواشي)

في يوم ولادة ابنتي (جمانة) اتصلنا على عيادة طبيب أطفال سمعته تبلغ الآفاق، وأعطونا موعدًا بعد شهر من ذلك اليوم، وحين ذهبنا للموعد جلسنا في قاعة الانتظار أكثر من ساعة.

ذهبت لأكلم موظفة الاستقبال التي استقبلتني كما تستقبل السيدة الأرستقراطية غلامًا فقيرًا يعمل في رعاية غنمها، فطلبت نقودي منها، ثم كتبت ورقة أشتكي فيها لإدارة العيادة من سوء تصرف الموظفة، وغادرت بهدوء، ومررت على محل عصير لأشرب عصير (الرقي) قبل العودة إلى البيت.

لم يمضِ غير نصف يوم على كتابة الشكوى؛ وإذا باتصال من العيادة يعتذرون إلي لأرضى عنهم، قبلت اعتذارهم كرامة لحبيبتي الصغيرة التي أريد الاطمئنان على صحتها، فأمرتهم بتدبير موعد لي بنفس اليوم، ولن أنتظر يومًا واحدًا آخر، بالإضافة لاعتذار الأرستقراطية لي، وللغنم نكاية بكبرها.

ويشبه هذا الموقف موقفًا آخر حصل في مرفق حكومي، أي أني لم آتي لأدفع درهمًا أو دينارًا، بل إن الحكومة تكفلت بإعطاء الأجر للموظفين ليخدموني ويخدموا غيري، دون منّة طبعًا.

كنت في مراجعة حكومية بائسة، انتظرت دوري لأكثر من (45) دقيقة، لم يغظني الانتظار بقدر ما أغاظتني تصرفات الموظفين هناك، فبعد كل معاملة ينجزونها لمراجع تجدهم على وشك التشردق على الكرسي، حتى إنك لتحسب الواحد منهم نفساء..!!

صالة الانتظار مزدحمة، واللطفاء يأخذون استراحة قصيرة بعد كل معاملة، فلما رأيت أحدهم يمسك بعلبة سجائره ويهم بالخروج ليدخن؛ بلغ السيل الزبى عندي، فصعدت لمكتب مسؤولتهم شاكيًا عليهم جميعًا، وخصصت شكوى على ذلك المدخن الذي يؤخر أعمالنا كرامة لسيجارته العفنة.

نزلت من عندها، فإذا كل الموظفين في أماكنهم، وأتاهم المدد بموظف خامس يعينهم، وانتهت معاملتي بعد الشكوى بأقل من (5) دقائق.

أظن، والعلم عند الله، أن سبب تخاذل الموظفين عن تأدية واجباتهم هو أمنهم من العقوبة، يستوي في ذلك موظفو القطاعين، العام والخاص، فكما قيل: "من أمن العقوبة أسا الأدب"، وأي سوء أدب أكبر من تعطيل مصالح الناس..!!

لكن لنكن منصفين؛ فأمن العقوبة ليس سببًا يجعل الموظف يسيء الأدب، فالسبب أكبر من ذلك، واللوم فيه يقع علي وعلى من يتصرف بلباقة لا تمت للباقة بصلة، فمن يتنازل عن حقه في الحصول على خدمة راقية ليس لبقًا، وليس محترمًا أصلًا، بل هو شريك في الفساد.

الأصل في موقف مماثل أن يتصرف أحدنا كما تصرفت مع الأرستقراطية ومع الموظف المدخن، الشكوى دواء الحمقى، ولا شيء سوى الشكوى.

"يردع الله بالسلطان ما لا يردع بالقرآن"، بعض الناس يخافون عقاب المسؤول أكثر من خوفهم عقاب الله، لا بأس؛ لسنا أوصياء عليهم، لكننا أوصياء على مصالحنا، والويل كل الويل لمن يعطلها.

وعلى ذكر الشكوى، ففي الجانب المقابل للشاكي هناك المشتكى عليه، فكيف سيكون حالك حين يُشكى عليك؟ بالنسبة لي أقول دائمًا: "أعلى ما بخيلك اركبه"، هذا في حال كان الشاكي صاحب حق عليّ، وقد يُنظر في مسألته، أما إن كان قليل الأدب والحيلة فأقول له: "أعلى ما ببونيك* اركبه".

وهذا، بطبيعة الحال، ليس أمنًا للعقوبة، ولا إساءة للأدب، فقبل كل شيء هناك مراعاة لله فيما نقوم به في أعمالنا ووظائفنا، ومن أراد منا أكثر من المطلوب فندعه وحصانه وشأنهما.

فعلى سبيل المثال، هل من المعقول أن يأتيني ولي أمر طالب يعاتبني لفصلي ولده (3) أيام بسبب محاولته ضرب زميله بالكرسي على رأسه؟ اشتكيت عليه في المخفر حين تعدى علي لفظًا (ولي الأمر وليس الطالب)، وبفضل الله لم يصدر الحكم حتى اللحظة، وأنا متفائل بأن يصدر قريبًا، فلقد مضت سنة ونصف منذ رفع القضية، وبقي القليل بالتأكيد.

ولسوء حماية الوزارة لموظفيها فإن الأمر تكرر بعد ذلك الموقف بعام واحد، وأيضًا قدّمت بلاغًا في المخفر منذ (6) شهور، وأنا متفائل جدًا أن يصدر الحكم قريبًا، ولا أظنه سيطول أكثر من الأول.

ومن باب الاحتياط، لن أسمح للأمر أن يتكرر؛ ولضمان عدم تكراره فإني حاليًا أملك حزامًا متقدمًا في لعبة (الجيوجتسو اليابانية)، وبدأت في التدرب على الـ (مواي تاي)، وهي باختصار ألعاب قتالية تعطي متقنها القدرة على قتل الخصم إن لزم الأمر، وهذا ما لن أحتاجه طبعًا، سأكتفي بإفقادهم الوعي بضربة (مواشي) على الوجه.

* البوني: حصان صغير يستخدم في تسلية الأطفال.

سعد المحطب
8-6-2018

الجمعة، 16 مارس 2018

أكاديمية (من سبق لبق)


وصلني إعلان دورات تدريبية مكثفة، تحت مسمى: (أكاديمية قلم)، وتعنى هذه الدورات بكل ما يختص بالكتابة، وجميع هذه الدورات مجانية، فلم أجد عذرًا يبيح التأخر بالتسجيل.

فجأة، ودون سابق إنذار؛ بدأت الأكاديمية باستقبال المتقدمين للمقابلة الشخصية، وحدد القائمون عليها معايير لا أعرفها للقبول، واستغربت أنها لم تنطبق عليّ، فهم لم يتصلوا بي لأحضر المقابلة.

ثم بطريقة سحرية لا أعرفها؛ أعلنوا أنه تم قبول 50 شخصًا من أصل أكثر من 300 متقدم، سألتهم عبر حسابهم في (إنستقرام) عن عدم اتصالهم بي لتحديد موعد المقابلة؛ فأخبروني أنهم اتصلوا بالجميع، وادعوا -كاذبين- أنهم اتصلوا بي ولم أجب، وأكرر: كذبوا بادعائهم.

العجب، كل العجب، أنهم أعلنوا أن القبول تم بناء على الأسبقية في الحضور للمقابلة، أسبقية؟ أهذه أكاديمية أم قرقيعان، يحصل فيه أوائل الحضور على الحلويات..؟!

ليتهم قبلوا من قبلوه دون توضيح لجزئية الأسبقية، شفافيتهم الغبية أفقدتهم المصداقية، فلم أعرف في حياتي أمرًا يتم فيه القبول وفق المقابلة الشخصية، ثم يُقبل من حضر أولًا..!! وأعجب من ذلك حين يكذبون بادعائهم أنهم اتصلوا، وهم والله ما اتصلوا..!!

عتبنا الأكبر ليس على هواة يجهلون إدارة الأمور، إنما على وزارة الدولة لشؤون الشباب يوم تبنّت مشروعًا كهذا لا يمت للمهنية بصلة.

هنيئًا للمقبولين، ورجائي للمنظمين بأن يمن الله عليهم بقليل من الاحترافية.

سعد المحطب
16-3-2018

الأربعاء، 21 فبراير 2018

دَرَن المناصب


دَرَن المناصب

قبل عام ميلادي، بالتمام والكمال، ذهبت للمبنى الرئيسي لإحدى الجهات الحكومية لإنجاز معاملة لا تُنجز بيوم واحد، وذلك لأنها تحتاج لتوقيع أحد المسؤولين هناك، ومعلوم أن المسؤولين دائمًا مشغولون في الاجتماع، جزاهم ربي بما هم أهله.

وبعد مراجعات استمرت ثلاثة أيام، بالتمام والكمال، حصلت على التوقيع المبارك من صاحب الأنامل الذهبية، ومضيت في طريقي لأتم ما بقي من تواقيع، وتركت ذلك المسؤول يكمل اجتماعاته مع باقي المسؤولين، جزاهم ربي بما هم أهله.

كتبت بعد ذلك مقالة عالجت بها الأمر من كافة النواحي، وأسميتها: (سيدي الكلب)، ولولا أن نصحني أحد أصدقائي المحامين بعدم نشرها لما توانيت عن النشر ساعة.

ثم مضت شهور، وقدّر الله لي أن أعيد رحلتي إلى ذلك المكان المشؤوم، وذلك لأنجز معاملة لا تُنجز بدقيقتين، لأنها تحتاج لاستلام إحدى الموظفات ورقة مني، ومعلوم أن الموظفات دائمًا لا يُجدن استلام أوراق المراجعين، جزاهن ربي بما هن أهله.

صعدت لمكتب مسؤول هناك، ولولا أني كنت في غمرة غضبي لما سمح لي السكرتير بالدخول، ولأخبرني أن المسؤول في اجتماع، كما هو عُرف المسؤولين دائمًا، جزاهم ربي بما هم أهله.

العجيب في الأمر أن المسؤول كان محترمًا، نعم والله كان كذلك، أقسم أني لا أكذب بحرف واحد، فنقلت له شكواي من الموظفات غير المهنيات، فاتصل مباشرة بمسؤولهن، وطلب منه تأديب موظفاته، وأن يعاملن المراجعين أفضل معاملة، جزانا الله بما هو أهله.

كتبت بعد ذلك عدة تغريدات في موقع (تويتر) امتدحت بها (أبا فلان) لطيب صنيعه، ولم يثنني عن الإسهاب في ذكر محاسنه التي رأيتها شيء، جزاه ربي خيرًا لما فعله معي.

شاء الله لي قبل أيام أن أذهب لنفس المكان، لأنجز معاملة لا يصح أن تستغرق أكثر من 10 ثوانٍ، لأنها تحتاج إلى توقيع ذلك المسؤول المحترم، لكنه كان غير محترم هذه المرة، فأخبرتني السكرتيرة أنه باجتماع، ولا يسمح لأحد بالدخول، انتظرت 10 دقائق، ثم طلبت منها أن تدخل بورقتي وتأتيني بالتوقيع، لكنها خرجت إليّ بالورقة كما هي، من غير توقيع، لأنه رفض توقيعها الآن، ويطلب عودتي في يوم غد، جزاه الله وباقي المسؤولين بما هم أهله.

(أبو فلان) كان طيب الصنيع، حسن الخلق، كريم الفعل، وأشدد وأذكّر بكلمة (كان)، أي أنه فعل ماضٍ، ولا يُرجى أن يكون حاضرًا أو مستقبلًا ما بقي هو في المنصب، فالظاهر أن المنصب يفسد الأخلاق، شأنه شأن صديق السوء.

هناك نوع من العقليات السقيمة، أسميها (عقلية المسؤولين)، وتحتاج لمجلدات لأعطيها حقها من الذم والنقد، ولست هنا بصدد الاسترسال بالحديث عنها، إنما سأتكلم عن بضعة أمور فقط، وقد أفرد كتابًا لتلك العقلية في قابل الأيام.

حين يكون الشخص متلبسًا لشخصية معينة، والتي غالبًا تكون محترمة، ستنتكس سريعًا بعد استلام المنصب، تمامًا كالذي حدث لأخينا المسؤول سالف الذكر، وأكاد أجزم أنه يوم عاملني باحترام كان قد استلم منصبه مؤخرًا، ولم يكن قد تلوث بعد بدَرَن تلك العقلية.

ولا أحسب تلك الأدران تأتي من نفسها، بل إنها تأتي من خلال التراكم شيئًا فشيئًا، إذ حين يجلس مسؤول قديم مع آخر جديد فإنه يبدأ بتعبئة فكره بتلك الأفكار القبيحة، والتي في غالب الظن سيستنكرها الجديد بحكم أنها تنافي الإنسانية، فضلًا عن كونها تنافي النهج الإسلامي في تيسير أمور الناس، إلا أنه بالاستمرار سيتشربها ويقتنع بها، بل ويعتبرها من المسلّمات.

انظروا لو شئتم لأي أحد تظنونه سينال منصبًا قريبًا، واسألوه بعض الأسئلة المتعلقة بالبيروقراطية والفساد الإداري، وستسمعون عجبًا، وستسمعون أعجب من العجب حين ينال المنصب حقًا، إذ سينسخ كل ما قاله سابقًا، ويتذرع بأن المسؤولية صعبة، وتستلزم الشدة والتعنت أحيانًا، جزى الله أصحاب تلك الأفكار بما يستحقون، ولا أحسبهم يستحقون إلا العذاب الأليم بما يذيقونه للمراجعين.

لو كان الأمر بيدي لكان غير الذي هو كائن، إذ سأخضِع كل مرشح لمنصب لدورة مكثفة تنقيه مما يملك من أفكار، وتقيه مما قد يلتصق به لاحقًا ممن سبقوه، حتى يأتي اليوم الذي يصبح هذا المرشح مسؤولًا قديمًا، فيؤثّر بالإيجاب على من سيكون جديدًا، وحينها ستُلغى تلك الدورة، فكما استشرى الفساد في نفوس المسؤولين حاليًا، سيستشري الخير في نفوسهم أخلافهم، وسيقول الناس: "رحم الله سعدًا، وجزاه عنا كل خير لما قام به من تنقية للفساد".

سعد المحطب
19-2-2018

الخميس، 4 يناير 2018

بُكاء يبكي

 وصلني إعلان ورشة أدبية عن كتابة الرواية، قبل شهور وليس الآن، وبحكم اهتمامي بالأمر، بالإضافة إلى تفرغي في اليوم الموعود؛ لم أجد بأسًا من تسجيل اسمي في الورشة.
ذهبت إلى المكان المحدد، وفي الوقت المقرر، وركنت سيارتي في أحد الأماكن المخصصة، ونزلت منها كما ينزل أي شخص من سيارته، ففي النهاية أنا بشر مثلكم، آكل مما تأكلون وأركب كما تركبون، لا يغرنكم صيتي الذائع في بيتنا، ولا شهرتي الواسعة بين خاصتي.
انتهت المحاضِرة من محاضرتها، وفتحت باب الأسئلة والتعليقات للجمهور الذي، أظنه والعلم عند ربي، تجاوز المئة شخص، تبارك الله.
لم أشأ أن أعلق، فرغم وجود أكثر من تعقيب في ذهني إلا أنني فضّلت الصمت؛ كي لا أخسرها كزميلة، فما أكثر الذين خسرتهم، ليتني أخسر (كيلو جرامًا) مع كل شخص أخسره معرفته، سأكون حينها جلدًا على عظم خلال أقل من سنة، ولتذهب الأندية الصحية إلى الجحيم.
سأل أحد الحاضرين سؤالًا أحسبه، والعلم عند ربي، سرقه من ذهني، لا بأس بهذه السرقة ما دامت لا تمس أشياء خاصة بي، كان معنى السؤال: "من أين يأتي الإبداع، أو الأفكار الإبداعية لديكِ؟"، فأجابت دونما تردد: "من الحزن"، ولا أذكر أنها أضافت مصدرًا آخر.
ذاك شأنها، وهي صادقة فيما قالت، وليس لي أو لغيري الحق في تكذيب أو نقد لذلك المصدر، لكن لي ولغيري الحق في التعليق على ما لا نوافق عليه، أليس كذلك؟ بلى، هو كذلك، شاء من شاء، وأبى من أبى.
تابعت حسابها على (تويتر)، ليتوافق وقت متابعتي لها -تقريبًا- مع وقت وضعها لرابط مقالة كتبتها هي مؤخرًا، فدخلت الرابط لأقرأ، فلم أزدد إلا تصديقًا لها، وتأكدت أنها تعني ما قالته سابقًا.
قرأت كمية ضخمة من الحزن، ولو زادت ما كتبته بمقدار فقرتين لمررت بحالة اكتئاب مؤقت مما رأيت، لست أدري ما السبب في حزنها، بل الصحيح أنه لا يعنيني.
وهنا أجدني مضطرًا لأقتبس مقولة (د. بيرتون) لأستاذي، من حيث لا يعلم، (د. غازي القصيبي): "لا يهمني كيف يصنع النجار الطاولة"، وأنا كذلك: "لا يهمني ما يمر به الكاتب كي يكتب"، (د. بيرتون) يهتم برؤية الطاولة جاهزة أمامه، وأنا أهتم برؤية نص أدبي آسر بين يديّ.
حسنًا، لِمَ لست موافقًا على ما قالته الفاضلة بشأن الحزن؟ لأني أرى الحزن يولد الحزن، وأنا أقرأ لأستمتع لا لأبكي، لماذا يصر البعض على نقل مآسيه لغيره؟
تُوفيّ صديق لي قبل بضع سنوات، فكتبت مقالًا أرثيه فيه، وشاء الله قبل أيام أن أقرأه على جمع من الناس في رابطة الأدباء، انتهيت من القراءة؛ فرفعت عينيّ إلى الجمهور؛ فلم أرَ إلا الحزن قد خيّم على المسرح العريض، فقرأت بعد ذلك مقالة كتبتها في لحظة فرح، فانقسم الحضور ما بين باسم وضاحك.
انتِ، يا فاضلة، تملكين حسًا أدبيًا عاليًا، ومهمتك تتجاوز (الفضفضة) لإبكاء الناس، الأديب يرقى بالذائقة، والقارئ يتأثر بكاتبه المفضل، لست أرجو أن نرى ارتباطًا بين الأدب والحزن.
ولأخبركِ سرًا لا يخفى على أحد، صحيح أنه لا سعادة كاملة في الدنيا، لكن الأصح أنه لا حزن دائم أيضًا، والأصل في الأمور هو الفرح، أما الكدر فهو أمر عارض لا يلبث أن يختفي، ألا ترين الناس يُعالجون من الحزن، ولا يشتكون من سعد*؟ فالشكوى تكون من الاستثناءات.
(*لا أقصد أن أستغرب من عدم شكواهم مني، بل أعني السعادة)
وعلى كلّ، أنصح من يقرأ أن يستلهم إبداعه من أمور مفرحة، كأن يحاول استخراج فكرة إبداعية حين أطرأ بباله، أو عند قراءته أحد كتبي، أو لدى سماعه صوتي، أو أي شيء مرتبط بي، ومن لم يجد؛ فعليه بصورتي.
وقبل أن أختم، أقول: أكتب الآن، بينما جميلتي (جمانة) تلهو أمامي ضاحكة، وترسل لي قبلاتها عبر الهواء تارة، وأخرى تحضنني قائلة: "بابا، أحبك"، فأي سعادة تحفز الإبداع أكثر مما أنا فيه؟
سعد المحطب
4-1-2018

الجمعة، 7 أبريل 2017

ألم في معصمي


ألم في معصمي

أنا الآن أكتب في مقهى، وأحتسي كوب قهوة ممزوجة بالشوكولاتة البيضاء والحليب، ولولا هذا الحليب لكنت أدفع مبلغًا لمشروب لا يحوي فائدة، فمعلوم أن الشوكولاتة الداكنة مفيدة، وكلما قلّ سوادها؛ قلّت فائدتها، فكيف بها وهي بيضاء كقلبي..!!

دخلت، أثناء احتسائي، امرأة إلى المقهى، أظنها في عقدها السادس، أي في الخمسينيات من عمرها، لم أسمع اسم مشروبها، ولم أهتم، فألم معصمي الذي يلازمني منذ مباراتي في الأمس يكفيني، وأنا منشغل به عن معرفة أسماء مشروبات العجائز، بل وحتى الشابات.

تذكرت بعدها ذلك المذيع غير المهني، الذي قال ساخرًا مرة: "المواطن الكويتي يشرب قهوة في كل يوم بـ 3 دنانير، لذلك فلا أرى بأسًا من رفع أسعار البانزين".

لن أعقّب على غباء ربط الموضوعين لديه، ولا على تدخله بما لا يعنيه، ولا على كذبه بشأن سعر القهوة، ولا على أي شيء مما قاله، فكلامه لا يعنيني، ولا يهمني، فألم معصمي الذي يلازمني منذ مباراتي في الأمس يكفيني، وأنا منشغل به المذيعين غير المهنيين، بل وحتى المهنيين.

تلك الشمطاء* مألوفة الوجه عندي، لقد رأيتها مرارًا، ولو أخبرتكم باسمها لعرفتموها، أظنها مألوفة الوجه عندكم أيضًا، لكني لن أبوح بالاسم، فهو لا يهمني، فألم معصمي الذي يلازمني منذ مباراتي في الأمس يكفيني، وأنا منشغل به عن نشر أسماء الناس، بل وحتى الحيوانات.

الشمطاء من صانعي القرار في مكان ما، وذلك المكان لا يهمني، فألم معصمي الذي.........، يكفي، لن أكرر كلامي كثيرًا عن ألم معصمي الذي يلازمني منذ مباراتي في الأمس، فمعاصمكم تكفيكم، وأنتم منشغلون بها عن معصمي وآلامه، بل وحتى جروحه.

أعيد: الشمطاء صانعة قرار، أو مشاركة في صنعه، ومقابل تلك المشاركة تنال مبلغًا لا يتناسب طرديًا مع جهدها، أبدًا أبدًا، بل هو يتناسب عكسيًا، وكذلك هو الحال بالنسبة لأغلب صانعي القرار.

أليس من الظلم أن مُصدر القرار ينال الراتب العالي، ومنفذه ينال الراتب العادي؟
أليس من الظلم أن مُصدر القرار إن قصّر؛ يُعذر، ومنفذه إن قصّر؛ يُقهر؟
أليس من الظلم أن مُصدر القرار إن أبدع؛ نال المال وزيادة، ومنفذه إن أبدع؛ نال التقدير بشهادة؟

يقول (بيل غيتس): "الحياة ليست عادلة، علينا أن نعتاد على ذلك"، كذب وكُوي لسانه، الحياة بريئة، وانتفاء العدل صفة إنسانية، فمُصدر القرار هو من يقرر أنه يستحق مكافأة تساوي رواتب سنة كاملة، وكذلك يقرر أن غيره يستحق مكافأة نصف راتب.

الموازين مقلوبة، فإصدار القرار لا يتطلب سوى بضع جلسات ونقاشات في غرفة تزخر بالهواء البارد النظيف، بصحبة كوب قهوة فرنسية أو تركية أو لاتيه أو كابوتشينو أو أمريكانو أو نسكافيه، أما تنفيذ القرارات فأمر يحتاج لعمل مضنٍ لساعات أو أيام، في مكان كئيب أو حار، بصحبة كوب من الماء أو الشاي أو الكرك.

أتعلمون ما سيحدث إن كان التناسب طرديًا بين الجهد والمكافأة؟ لا تعلمون؟ أنا أعلم، سيجتهد الجميع لينالوا الخير، ولن يجرؤ المقصّر أن يطلب ما لا يستحقه.

أتعلمون ما سيحدث أيضًا؟ ستشتري تلك الشمطاء (Mug) من كاريبو أو ستاربكس، وستصنع فيه قهوة (3 in 1) في بيتها، وتخرج للناس كأنها قد اشترت قهوة من أحد المقهيين، لأن المجهود الذي تبذله في عملها لن يؤهلها لتنال راتبًا يكفي لشراء القهوة الفاخرة.

أود الاسترسال في الأمر، لكني أعاني من ألم في معصمي، ذلك الألم الذي يلازمني منذ مباراتي في الأمس.


* الشمطاء: المرأة التي اختلط شعرها الأسود بالأبيض.



سعد المحطب
7-4-2017

الخميس، 6 أغسطس 2015

أف لإيجابيتكم


بسم الله الرحمن الرحيم
يقول (فرويد) مؤسس نظرية التحليل النفسي ما معناه أن الإنسان يميل لنسيان الذكريات الأليمة، فمن منّا يحب أن يتذكر كيف كان يُضرب من والده؟ ومن منّا يحب أن يشاهد شريطًا يظهر فيك بشكل مهين..!! إلا لو كان أحمقًا.
وأنا -كما تعلمون- بشر مثلكم، آكل مما تأكلون منه، وأشرب مما تشربون، لذا فإني -مثلكم- أميل لنسيان الذكريات الأليمة، وأسبح -مثلكم- في بحر الذكريات الجميلة، لا أنقص عنكم بشيء، وربما أزيد.
وبطبيعة الحال.. فإننا -سكّان هذا الكوكب- نحاول التغلب على أي ذكرى سيئة قد تطرأ بالبال، ونملك ميلًا عجيبًا لكل من يساعدنا على ذلك، ولو كان كاذبًا..!!
انظروا -رعاكم الله- إلى من يسمون أنفسهم (الإيجابيين)، ترونهم يزينون لكم الدنيا كما لو كانت قطعة من الجنة، لا كدر فيها ولا نصب، ولا همّ ولا غمّ ولا تعب..!! بينما هي -كما يصفها (ابن القيّم)- عكس ذلك:
طُبعت على كدر فكيف تنالها ** صفوًا..!! أهذا قط في الإمكان..؟
إن -ابن القيّم- أصدق عندي من أولئك المخادعين، وهو أعلم منهم بأمور الدنيا والدين، أما من هو أعلم وأجلّ منهم ومن (ابن القيم) فإنه قال حين توفى الله ولده (إبراهيم):
"تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون"، صحيح البخاري.
أرأيتم كم كلمة تدل على الحزن؟
(تدمع، يحزن، محزونون)
أوَليس رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أولى بالإيجابية المفرطة التي يتغنى بها أولئك الدجالون..!! لِمَ لم يقل: "لن أحزن، الله يحبني ويريد ابتلائي ليختبر حبي له"..؟ نعم صحيح، (ف.ب) لم يكن موجودًا حينها.
الحزن طبيعة إنسانية، والله قدّر لنا بحكمته أن نحزن، أن نتألم، أن نبكي، أتعلمون لماذا؟
لأن الأشياء تُعرف بأضدادها، ولأنه لو جعل الدنيا دار سعادة وتفاؤل دائم، وحرّم على الحزن أن يدخل قلوبنا، كيف سيرغّبنا بجنته؟
إن كان في الدنيا حزن وسعادة، ففي الجنة سعادة دائمة، إن كان في الدنيا ألم وجبر للألم، ففي الجنة لا طعم سنعرفه للألم، إن كان في الدنيا خوف وأمن، ففي الجنة الأمان الدائم، وقس على ذلك ما تشاء.
ولا يغرنك كذب الإيجابيين، وإنك لو عرفت أحدًا منهم عن قرب لرأيت الحزن يخيّم على حياته، لكنه لو أخبرك بذلك فإنك لن تتابعه في وسائل التواصل الاجتماعي، ولن تحرص على التقاط صورة معه حين يمشي مختالًا بشهرته المزيفة، ولن يُدعى لإلقاء محاضرات إيجابية، ولن يخصص له وقت لتقديم برنامج إيجابي في إحدى الفضائيات..!! أرأيت كم سيخسر لو لم يظهر لك بمظهر السعيد المتفائل؟ الكذب عليك أسهل، لذا فإنه يمارسه بأريحية.
أقول: سنعيش آلامنا ونتعايش معها بما يعيننا عليها، وسنحزن لا محالة، واعلموا -رعاكم الله- أن الألم هو مصدر الإلهام، ولا إبداع بلا معاناة، فلا تخشَ مواجهته، امض قدمًا وعش حياتك كما هي، بحلوها ومرّها، بشقائها وسعادتها.
واعلم أنك ستنسى آلامك رغمًا عنك، فهذه طبيعة بشرية متفق عليها، وقد أكدها لنا (فرويد) في نظريته سالفة الذكر، إذن لا داعي للخوف من العيش في حزن دائم، فقط يكفيك أن تعلم أن جميع أمرك لك خير، إن أصابتك سراء فاشكر، وإن أصابتك ضراء فاصبر، وكن أذكى ممن يحاول التذاكي عليك، ليصعد إلى المجد والمال فوق ظهرك.

سعد المحطب
6-8-2015

Twitter: Saad_ALMohteb

الثلاثاء، 13 يناير 2015

ما خابت فراستي



بسم الله الرحمن الرحيم

في رمضان 1435 دُعيت إلى (غبقة) أقامتها وزارة الشباب في أحد الفنادق، فرأيت شخصًا كنت أهاجم أفعاله بسبب ما يكتبه، إذ لا يرقى ما يكتبه لمسمى (كتاب)، كنت قبلها قد كتبت مقالة في هذه المدونة بعنوان: (أطفأت فرني)، وبعثت له الرابط لقراءتها، وحين قرأها أرسل لي شكره، وبالنسبة لي فقد (طاح الحطب)، وعاهدت نفسي بعدم ذكره إلا للمدح، وهكذا فعلت.

حين رأيته في (الغبقة) سلمت عليه وصافحته.. وانتهى الموقف الجامع لكلينا، ومضت الأيام دون ذكر مني له أو منه لي، رأيته في معرض الكتاب 2014 يحادث صديقًا لي، بعدها ناديته للسلام عليه -بحكم صلاح ما كان بيننا- فلم يمتنع، قلت له مبتسمًا: "أرجو أن يكون الأمر قد انتهى فعليًا"، فقال: "لا والله أنا لا أسامحك، أمام الناس لا أحمل ضغينة ضدك، أما أمام ربي فلا، لن أسامحك، وأتمنى لك التوفيق"، وبرّر عدم مسامحته لي بأنه قرأ يومًا تغريدة كتبتها ثم دخل الاختبار، فكانت درجته متدنية جدًا، وقال لي: "مستوى كلامك كان واطيًا جدًا وأثّر بي"، لا تزال ابتسامتي في وجهي، قلت: "ابذل جهدًا أكبر في المرات القادمة، وادرس جيدًا".

المسكين يحسبني أسأله السماح والعفو، أنا لم أطلب ذلك، كل ما طلبته هو أن يصفو قلبه كما صفى قلبي، يبدو أن هذا الأمر صعب على ذوي القلوب المليئة بالسواد، أنا لم أذكر شخصك بسوء حتى أطلب السماح، هجومي كان صريحًا على الأسلوب الذي تستخدمه يا (ملتزم)، وأنا لا أزال غير مؤيد له، وقد ذكرت ذلك في أكثر من تغريدة إبان معرض الكتاب 2014، ذكرت بأني لا أحبذ أسلوب الكتابة العامية، لكني زكيته كأفضل من يكتب بهذا الأسلوب من بين المشاركين في المعرض.

في الحقيقة لم يكدّرني ردّه، بل لم أعبأ به أصلًا، أتريدون الحق؟ لقد فرحت أيّما فرح، إذ بمجرد أن غرب عن وجهي تذكرت قصة الشافعي التي قد تختلف الروايات في بعض تفاصيلها، لكنها تتفق على مغزاها:

(سافر الشافعي إلى اليمن للاستزادة بعلم الفراسة والتبحر فيه، فتعلم صفتين لا تجتمعان في رجل إلا كان خبيثًا سيء الفعل والخلق، وشاءت إرادة الله تعالى أن ينزل لدى أعرابي في الطريق ليستريح عنده، فأكرمه أشد إكرام، واعتنى بدابته، وفي اليوم التالي أراد إمامنا الرحيل، وقد حمل في قلبه حزنًا عظيمًا، فصفتا الخبث موجودتان لدى ذلك الرجل، لكنه كان كريمًا، ولم يقصّر في تأدية حق الضيافة، فقال الشافعي في نفسه: "وا خسارتاه على الطريق الذي قطعناه"، وعزم على الرجوع، فاستوقفه الأعرابي قائلًا: "أكرمتك وأطعمتك واعتنيت بدابتك، ثم ترحل دون أن تعطيني من مالك؟ والله لا أدعك تمر"، هنا تبدلت مشاعر حزن الشافعي إلى فرح، ودفع بماله إلى الأعرابي وعاد إلى مكة، فما خابت فراسته في ذلك الرجل).

لي صديق عاتبني مرارًا بسبب هجومي على ذلك الكاتب المزعوم، ويوم أردت إنهاء الخلاف.. وبعد أن بعث لي برسالة الشكر في (تويتر) أحسست بالذنب، إذ أن صديقي قد يكون محقًا، وأني بالغت في هجومي الذي ظننته -مخطئًا- غير مبرر، لكن بعد كلمته لي وتصريحه ضمنيًا أنه ينافق مُظهرًا التسامح أمام الناس، ويخفي في داخله جبالًا من الضغائن، فرحت كفرح الشافعي، فما خابت فراستي.

أقول: استفتِ قلبك في علاقاتك ولو أفتاك الناس، ثق بحدسك تجاه أعدائك، وآمن بفراستك، ولا تعتذر إلا لو كنت مخطئًا، واقبل العذر ممن يعتذر منك، اقبله بقلب صادق صافٍ:

اقبل معاذير من يأتيك معتذرًا ** إن برّ عندك فيما قال أو فجرا
لقد أطاعك من يرضيك ظاهره ** وقد أبرّك من يعصيك مستترا

سعد المحطب
13-1-2015

Twitter: Saad_ALMohteb