الجمعة، 7 أبريل، 2017

ألم في معصمي


ألم في معصمي

أنا الآن أكتب في مقهى، وأحتسي كوب قهوة ممزوجة بالشوكولاتة البيضاء والحليب، ولولا هذا الحليب لكنت أدفع مبلغًا لمشروب لا يحوي فائدة، فمعلوم أن الشوكولاتة الداكنة مفيدة، وكلما قلّ سوادها؛ قلّت فائدتها، فكيف بها وهي بيضاء كقلبي..!!

دخلت، أثناء احتسائي، امرأة إلى المقهى، أظنها في عقدها السادس، أي في الخمسينيات من عمرها، لم أسمع اسم مشروبها، ولم أهتم، فألم معصمي الذي يلازمني منذ مباراتي في الأمس يكفيني، وأنا منشغل به عن معرفة أسماء مشروبات العجائز، بل وحتى الشابات.

تذكرت بعدها ذلك المذيع غير المهني، الذي قال ساخرًا مرة: "المواطن الكويتي يشرب قهوة في كل يوم بـ 3 دنانير، لذلك فلا أرى بأسًا من رفع أسعار البانزين".

لن أعقّب على غباء ربط الموضوعين لديه، ولا على تدخله بما لا يعنيه، ولا على كذبه بشأن سعر القهوة، ولا على أي شيء مما قاله، فكلامه لا يعنيني، ولا يهمني، فألم معصمي الذي يلازمني منذ مباراتي في الأمس يكفيني، وأنا منشغل به المذيعين غير المهنيين، بل وحتى المهنيين.

تلك الشمطاء* مألوفة الوجه عندي، لقد رأيتها مرارًا، ولو أخبرتكم باسمها لعرفتموها، أظنها مألوفة الوجه عندكم أيضًا، لكني لن أبوح بالاسم، فهو لا يهمني، فألم معصمي الذي يلازمني منذ مباراتي في الأمس يكفيني، وأنا منشغل به عن نشر أسماء الناس، بل وحتى الحيوانات.

الشمطاء من صانعي القرار في مكان ما، وذلك المكان لا يهمني، فألم معصمي الذي.........، يكفي، لن أكرر كلامي كثيرًا عن ألم معصمي الذي يلازمني منذ مباراتي في الأمس، فمعاصمكم تكفيكم، وأنتم منشغلون بها عن معصمي وآلامه، بل وحتى جروحه.

أعيد: الشمطاء صانعة قرار، أو مشاركة في صنعه، ومقابل تلك المشاركة تنال مبلغًا لا يتناسب طرديًا مع جهدها، أبدًا أبدًا، بل هو يتناسب عكسيًا، وكذلك هو الحال بالنسبة لأغلب صانعي القرار.

أليس من الظلم أن مُصدر القرار ينال الراتب العالي، ومنفذه ينال الراتب العادي؟
أليس من الظلم أن مُصدر القرار إن قصّر؛ يُعذر، ومنفذه إن قصّر؛ يُقهر؟
أليس من الظلم أن مُصدر القرار إن أبدع؛ نال المال وزيادة، ومنفذه إن أبدع؛ نال التقدير بشهادة؟

يقول (بيل غيتس): "الحياة ليست عادلة، علينا أن نعتاد على ذلك"، كذب وكُوي لسانه، الحياة بريئة، وانتفاء العدل صفة إنسانية، فمُصدر القرار هو من يقرر أنه يستحق مكافأة تساوي رواتب سنة كاملة، وكذلك يقرر أن غيره يستحق مكافأة نصف راتب.

الموازين مقلوبة، فإصدار القرار لا يتطلب سوى بضع جلسات ونقاشات في غرفة تزخر بالهواء البارد النظيف، بصحبة كوب قهوة فرنسية أو تركية أو لاتيه أو كابوتشينو أو أمريكانو أو نسكافيه، أما تنفيذ القرارات فأمر يحتاج لعمل مضنٍ لساعات أو أيام، في مكان كئيب أو حار، بصحبة كوب من الماء أو الشاي أو الكرك.

أتعلمون ما سيحدث إن كان التناسب طرديًا بين الجهد والمكافأة؟ لا تعلمون؟ أنا أعلم، سيجتهد الجميع لينالوا الخير، ولن يجرؤ المقصّر أن يطلب ما لا يستحقه.

أتعلمون ما سيحدث أيضًا؟ ستشتري تلك الشمطاء (Mug) من كاريبو أو ستاربكس، وستصنع فيه قهوة (3 in 1) في بيتها، وتخرج للناس كأنها قد اشترت قهوة من أحد المقهيين، لأن المجهود الذي تبذله في عملها لن يؤهلها لتنال راتبًا يكفي لشراء القهوة الفاخرة.

أود الاسترسال في الأمر، لكني أعاني من ألم في معصمي، ذلك الألم الذي يلازمني منذ مباراتي في الأمس.


* الشمطاء: المرأة التي اختلط شعرها الأسود بالأبيض.



سعد المحطب
7-4-2017

الخميس، 6 أغسطس، 2015

أف لإيجابيتكم


بسم الله الرحمن الرحيم
يقول (فرويد) مؤسس نظرية التحليل النفسي ما معناه أن الإنسان يميل لنسيان الذكريات الأليمة، فمن منّا يحب أن يتذكر كيف كان يُضرب من والده؟ ومن منّا يحب أن يشاهد شريطًا يظهر فيك بشكل مهين..!! إلا لو كان أحمقًا.
وأنا -كما تعلمون- بشر مثلكم، آكل مما تأكلون منه، وأشرب مما تشربون، لذا فإني -مثلكم- أميل لنسيان الذكريات الأليمة، وأسبح -مثلكم- في بحر الذكريات الجميلة، لا أنقص عنكم بشيء، وربما أزيد.
وبطبيعة الحال.. فإننا -سكّان هذا الكوكب- نحاول التغلب على أي ذكرى سيئة قد تطرأ بالبال، ونملك ميلًا عجيبًا لكل من يساعدنا على ذلك، ولو كان كاذبًا..!!
انظروا -رعاكم الله- إلى من يسمون أنفسهم (الإيجابيين)، ترونهم يزينون لكم الدنيا كما لو كانت قطعة من الجنة، لا كدر فيها ولا نصب، ولا همّ ولا غمّ ولا تعب..!! بينما هي -كما يصفها (ابن القيّم)- عكس ذلك:
طُبعت على كدر فكيف تنالها ** صفوًا..!! أهذا قط في الإمكان..؟
إن -ابن القيّم- أصدق عندي من أولئك المخادعين، وهو أعلم منهم بأمور الدنيا والدين، أما من هو أعلم وأجلّ منهم ومن (ابن القيم) فإنه قال حين توفى الله ولده (إبراهيم):
"تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون"، صحيح البخاري.
أرأيتم كم كلمة تدل على الحزن؟
(تدمع، يحزن، محزونون)
أوَليس رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أولى بالإيجابية المفرطة التي يتغنى بها أولئك الدجالون..!! لِمَ لم يقل: "لن أحزن، الله يحبني ويريد ابتلائي ليختبر حبي له"..؟ نعم صحيح، (ف.ب) لم يكن موجودًا حينها.
الحزن طبيعة إنسانية، والله قدّر لنا بحكمته أن نحزن، أن نتألم، أن نبكي، أتعلمون لماذا؟
لأن الأشياء تُعرف بأضدادها، ولأنه لو جعل الدنيا دار سعادة وتفاؤل دائم، وحرّم على الحزن أن يدخل قلوبنا، كيف سيرغّبنا بجنته؟
إن كان في الدنيا حزن وسعادة، ففي الجنة سعادة دائمة، إن كان في الدنيا ألم وجبر للألم، ففي الجنة لا طعم سنعرفه للألم، إن كان في الدنيا خوف وأمن، ففي الجنة الأمان الدائم، وقس على ذلك ما تشاء.
ولا يغرنك كذب الإيجابيين، وإنك لو عرفت أحدًا منهم عن قرب لرأيت الحزن يخيّم على حياته، لكنه لو أخبرك بذلك فإنك لن تتابعه في وسائل التواصل الاجتماعي، ولن تحرص على التقاط صورة معه حين يمشي مختالًا بشهرته المزيفة، ولن يُدعى لإلقاء محاضرات إيجابية، ولن يخصص له وقت لتقديم برنامج إيجابي في إحدى الفضائيات..!! أرأيت كم سيخسر لو لم يظهر لك بمظهر السعيد المتفائل؟ الكذب عليك أسهل، لذا فإنه يمارسه بأريحية.
أقول: سنعيش آلامنا ونتعايش معها بما يعيننا عليها، وسنحزن لا محالة، واعلموا -رعاكم الله- أن الألم هو مصدر الإلهام، ولا إبداع بلا معاناة، فلا تخشَ مواجهته، امض قدمًا وعش حياتك كما هي، بحلوها ومرّها، بشقائها وسعادتها.
واعلم أنك ستنسى آلامك رغمًا عنك، فهذه طبيعة بشرية متفق عليها، وقد أكدها لنا (فرويد) في نظريته سالفة الذكر، إذن لا داعي للخوف من العيش في حزن دائم، فقط يكفيك أن تعلم أن جميع أمرك لك خير، إن أصابتك سراء فاشكر، وإن أصابتك ضراء فاصبر، وكن أذكى ممن يحاول التذاكي عليك، ليصعد إلى المجد والمال فوق ظهرك.

سعد المحطب
6-8-2015

Twitter: Saad_ALMohteb

الثلاثاء، 13 يناير، 2015

ما خابت فراستي



بسم الله الرحمن الرحيم

في رمضان 1435 دُعيت إلى (غبقة) أقامتها وزارة الشباب في أحد الفنادق، فرأيت شخصًا كنت أهاجم أفعاله بسبب ما يكتبه، إذ لا يرقى ما يكتبه لمسمى (كتاب)، كنت قبلها قد كتبت مقالة في هذه المدونة بعنوان: (أطفأت فرني)، وبعثت له الرابط لقراءتها، وحين قرأها أرسل لي شكره، وبالنسبة لي فقد (طاح الحطب)، وعاهدت نفسي بعدم ذكره إلا للمدح، وهكذا فعلت.

حين رأيته في (الغبقة) سلمت عليه وصافحته.. وانتهى الموقف الجامع لكلينا، ومضت الأيام دون ذكر مني له أو منه لي، رأيته في معرض الكتاب 2014 يحادث صديقًا لي، بعدها ناديته للسلام عليه -بحكم صلاح ما كان بيننا- فلم يمتنع، قلت له مبتسمًا: "أرجو أن يكون الأمر قد انتهى فعليًا"، فقال: "لا والله أنا لا أسامحك، أمام الناس لا أحمل ضغينة ضدك، أما أمام ربي فلا، لن أسامحك، وأتمنى لك التوفيق"، وبرّر عدم مسامحته لي بأنه قرأ يومًا تغريدة كتبتها ثم دخل الاختبار، فكانت درجته متدنية جدًا، وقال لي: "مستوى كلامك كان واطيًا جدًا وأثّر بي"، لا تزال ابتسامتي في وجهي، قلت: "ابذل جهدًا أكبر في المرات القادمة، وادرس جيدًا".

المسكين يحسبني أسأله السماح والعفو، أنا لم أطلب ذلك، كل ما طلبته هو أن يصفو قلبه كما صفى قلبي، يبدو أن هذا الأمر صعب على ذوي القلوب المليئة بالسواد، أنا لم أذكر شخصك بسوء حتى أطلب السماح، هجومي كان صريحًا على الأسلوب الذي تستخدمه يا (ملتزم)، وأنا لا أزال غير مؤيد له، وقد ذكرت ذلك في أكثر من تغريدة إبان معرض الكتاب 2014، ذكرت بأني لا أحبذ أسلوب الكتابة العامية، لكني زكيته كأفضل من يكتب بهذا الأسلوب من بين المشاركين في المعرض.

في الحقيقة لم يكدّرني ردّه، بل لم أعبأ به أصلًا، أتريدون الحق؟ لقد فرحت أيّما فرح، إذ بمجرد أن غرب عن وجهي تذكرت قصة الشافعي التي قد تختلف الروايات في بعض تفاصيلها، لكنها تتفق على مغزاها:

(سافر الشافعي إلى اليمن للاستزادة بعلم الفراسة والتبحر فيه، فتعلم صفتين لا تجتمعان في رجل إلا كان خبيثًا سيء الفعل والخلق، وشاءت إرادة الله تعالى أن ينزل لدى أعرابي في الطريق ليستريح عنده، فأكرمه أشد إكرام، واعتنى بدابته، وفي اليوم التالي أراد إمامنا الرحيل، وقد حمل في قلبه حزنًا عظيمًا، فصفتا الخبث موجودتان لدى ذلك الرجل، لكنه كان كريمًا، ولم يقصّر في تأدية حق الضيافة، فقال الشافعي في نفسه: "وا خسارتاه على الطريق الذي قطعناه"، وعزم على الرجوع، فاستوقفه الأعرابي قائلًا: "أكرمتك وأطعمتك واعتنيت بدابتك، ثم ترحل دون أن تعطيني من مالك؟ والله لا أدعك تمر"، هنا تبدلت مشاعر حزن الشافعي إلى فرح، ودفع بماله إلى الأعرابي وعاد إلى مكة، فما خابت فراسته في ذلك الرجل).

لي صديق عاتبني مرارًا بسبب هجومي على ذلك الكاتب المزعوم، ويوم أردت إنهاء الخلاف.. وبعد أن بعث لي برسالة الشكر في (تويتر) أحسست بالذنب، إذ أن صديقي قد يكون محقًا، وأني بالغت في هجومي الذي ظننته -مخطئًا- غير مبرر، لكن بعد كلمته لي وتصريحه ضمنيًا أنه ينافق مُظهرًا التسامح أمام الناس، ويخفي في داخله جبالًا من الضغائن، فرحت كفرح الشافعي، فما خابت فراستي.

أقول: استفتِ قلبك في علاقاتك ولو أفتاك الناس، ثق بحدسك تجاه أعدائك، وآمن بفراستك، ولا تعتذر إلا لو كنت مخطئًا، واقبل العذر ممن يعتذر منك، اقبله بقلب صادق صافٍ:

اقبل معاذير من يأتيك معتذرًا ** إن برّ عندك فيما قال أو فجرا
لقد أطاعك من يرضيك ظاهره ** وقد أبرّك من يعصيك مستترا

سعد المحطب
13-1-2015

Twitter: Saad_ALMohteb

الأحد، 21 ديسمبر، 2014

كذبة اسمها تطوع



بسم الله الرحمن الرحيم

أعرف شخصًا ضمن قائمة المبدعين، عرفته عن طريق صديق مشترك بيننا، وبعد أن توطدت علاقتي به.. سألته عن سبب عدم تواجده الدائم مع المجموعة التطوعية التي ينتمي لها صديقي، فقال ما معناه أنه لا يسمح لأحد أن يتسلق سلم المجد والشهرة فوق ظهره.

لم أعلّق على كلامه، وانتقلنا لموضوع ثانٍ، ثم ثالث، واستمرت سهرتنا تلك الليلة على أجمل وجه، وبعد مدة كنت برفقة صديقي الذي تبدّلت أوضاعه بعد انضمامه لتلك المجموعة، بدأت أراه أكثر تحررًا وأقل التزامًا، وهذا وفق ما بدا لي، وأرجو أن أكون مخطئًا.

بصفتي صديقًا مخلصًا أنشد الخير لمن يهمني أمره، نصحته مرارًا بمراجعة، فهو لم يعد هو كما عهدته، ونقلت له كلام (المبدع) عن تلك المجموعة، لكن صاحبي لم يقتنع.

كان من ضمن كلام (المبدع) أن مجموعة (الفَلَس) تحاول عزل المنتسب لها عن المجتمع، وأن تكون هي حلقة الوصل بين المنتسب وأي شخص خارج المجموعة، ويوفرون له كل وسائل الراحة كي لا يحتاج لغيرهم، ثم يولّدون في الاتكالية فليجأ لهم في كل أحواله.

أراهم قد نجحوا في مخططهم، فلقد استطاعوا أن يفرقوا بين المرء وصحبه، وصرت لا أرى صاحبي إلا مرة في الشهر، وأحيانًا شهرًا وبضعة أيام.

في آخر لقاء بيننا أخبرني بأمر لم ينل ذرة من اهتمامي، وهو أن أعضاء مجموعته (المخادعين والمخدوعين) قد غيّروا نظرتهم عني، وصاروا ينظرون إليّ نظرتهم للشخص غير المحترم، وبلهجة عامية: (سقطت من أعينهم)، وما أجمله من سقوط..!! هم لم يكونوا بعيني يومًا، فكيف سأهتم حين يسقطوني من أعينهم..!!

لست أدري حتى متى سنرى أناسًا يستغلون غيرهم للوصول لمبتغياتهم، هم أناس عجزوا عن الوصول للمجد بمجهودهم، فلجؤوا لسرقة جهود وإبداعات غيرهم، والمصيبة أن الكثير يصدقهم، ويحسبهم مريدين له الخير، لله درّ إتقانهم للتمثيل.

النجاح في أمر ليس صعبًا، ومن المعينات عليه أن ينضم أحدنا لمجموعات تعينه ليصل معهم لما يطمح ويطمحون، وليس أحد -سوى الأحمق- من يصدق أن المجموعة سترضى أن تكون ضحية لهم بإرادتها، لأنه بذلك التصديق سيكون هو الضحية المغرر بها.. أفق يا مسكين.

بعض المجموعات يقومون بما يلي:

"يجدون الرجل طريح الأرض، لا يقوى على القيام لانعدام الدافع لديه، فيستغلون الإحباط عنده، ويصعدون معه إلى القمة، وفي طريق للوصول فإنهم يرمونه ويمسكون بغيره ممن هو أسرع منه، وهكذا يستمرون حتى يصلوا لما يريدون، في تلك الأثناء نجد المسكين قد سقط شر سقطة زادته نكالًا وخزيًا".

كن أذكى منهم، واستفد ممن يفيدك، ولا تكن لقمة سهلة لمن يريد استغلالك، فإن لك في الوجود غاية، أنت صاحب هدف ولست وسيلة لتحقيق أهداف غيرك، حياتك قصيرة فلا تسخرها لغيرك على حساب نفسك.

وأقول للمستغلين: أساليبكم مكشوفة، وأوراقكم احترقت منذ زمن، فاتقوا الله في أنفسكم وفيمن يؤمن بكم، لا تشوّهوا صورة العمل التطوعي، فلقد مللنا من الفرق التطوعية التي تظهر.. ثم تختفي فجأة بمجرد أن حقق أصحابها مآربهم أيًا كانت، العمل التطوعي أصفى وأنقى من أفعالكم العوجاء.

سعد المحطب 
21-12-2014
Twitter: Saad_ALMohteb

السبت، 6 ديسمبر، 2014

رأيت نعشه



بسم الله الرحمن الرحيم

حين أصدرت كتابي الأول (قهوة الثلاثاء) كان ينقصني أمر مهم، وهو وجود صديق الطفولة بجانبي، لكن ذلك كان شبه مستحيل، فلقد نشب بيننا خلاف قبل مدة ولم تستقم العلاقة بعد.

بعد انتهاء المعرض ببضعة أيام، ذهبت لزيارة صديق يسكن في نفس الشارع الذي يسكن فيه صديق الطفولة (عبدالعزيز)، صليت العشاء في المسجد القريب، وبعد انتهائي رأيت والده، هو شيخ كبير لكنه يذكرني، سلمت عليه وأعدت تعريفه بنفسي، ثم ناولته نسخة من الكتاب ليتسلى بقراءته، فقال: "سأعطيه (عبدالعزيز) وأخبره بأنه إهداء منك له، لعل علاقتكما تعود كما كانت".

لم أتوقع بأنه أخبر والده بما كان بيننا، فقلت: "لا بأس، وشكرًا لك مقدمًا"، ومضيت في طريقي، وبعد ذلك الموقف بأيام رأيت (عبدالعزيز) مصادفة في المطار، سلمت عليه وتحدثنا قليلًا، ومضى كلّ منا في طريقه، وقُبيل معرض الكتاب الأخير رأيته مرة أخرى، وطلبت منه ألا ينسى زيارتي في المعرض، فأكد لي بأنه سيحضر، ومضى كلّ منا في طريقه.

لم أشاهده طوال فترة المعرض، وبطبيعة الحال فإني لا أعاتب من لا يزورني هناك، بعد انتهاء فترة المعرض قلت في نفسي: "لعلّي أراه أو أرى والده في نفس المسجد، فأهديه الكتاب".

في يوم الجمعة، جلست وأهلي للغداء في الأجواء الرائعة، فأتتني رسالة ليتها أخطأتني: "انتقل إلى رحمة الله تعالى عبدالعزيز محمد الفليج".

ظل الأمل في داخلي ألا يكون صاحبي، لكن رسالة أخرى وصلت بنفس المحتوى وبنص مختلف: "تُوفيّ الشاب عبدالعزيز محمد عمر الفليج"، هذه الرسالة لم تدع مجالًا للشك، لفظ (الشاب) واسم جده قطعا الشك باليقين، رُبط لساني وجرى الكلام على يدي، فكتبت بضع تغريدات في (تويتر)، علّها تخفف حزني:

"ليت ربي أبقاك لألقاك قبل رحيلك"

"لم تفِ بوعدك يا (عبدالعزيز)، قلت سابقًا: سألحقك حيث ذهبت، وها أنت سبقتني وذهبت"

"لم تُكتب لنا صحبة طويلة في الدنيا، ولم تهنئني بكتابي الثاني كما فعلت في الأول، غدًا ستوارى التراب، ولن أراك ثانية"

"أصلح الخلل مع أي صديق، فلربما يرحل أحدكما دون وداع، ولن يجدي الخطاب للتراب الأصم، الحمدلله الذي صفى قلبينا مما ألمّ بهما"

"لعل روحه تنظر إليّ، ولعلّي مررت بباله حين احتضر، ولعلنا دخلنا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ورجلان تحابا في الله"

قطع حبل حزني عليه كلام نقله لي ابن خاله: "(عبدالعزيز) كان يحبك، ودايم يسولف لي عنك، نعم الأخ والصديق"، رحم الله صاحبي، وغفر له، وأدخله الجنة بغير حساب أو سابق عذاب.

لعل المقالات القادمة تحوي بعضًا من ذكرياتي معه، أما الآن فلا مجال لذكر أيّ منها، فمنظره يُحمل من نعشه إلى قبره لا يزال في ذهني، إذ كان من أواخر الناس الذين رجوت رؤيتهم يُدفنون، لكنّا في النهاية لا نقول إلا ما يرضي ربنا: "إنا لله وإنا إليه راجعون".

سقاك الله كوثر نبيه، ورزقك أنهارًا من (حليب الشوكلاطة) كما كنت تسميه.
للحديث بقية بإذن الله.

سعد المحطب
6-12-2014
Twitter: Saad_ALMohteb